الراغب الأصفهاني

28

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

الحثّ على مصارمة من رثّ حبل ودّه في المثل : خلّ سبيل من وهي سقاؤه . وقيل : لا تصحب من لا يرى لك في الودّ مثل ما ترى له . وقيل : شغل المرء بمشتغل عنه مسقطة من العيون ، وإقباله على معرض عنه معرضة به لسوء الظنون . وقيل : جدعا لمن أعطى الرغبة من أعطاه الزهادة وما أدري أيهما ألأم . قال شاعر : من لم يردك فلا ترده * هبه كمن لم تستفده قال البحتري : شرّق وغرّب تجد من معرض عوضا * فالأرض من تربة والنّاس من رجل وقال آخر : أرى الغبن كلّ الغبن وصلي صارما * وإن كان ذا فضل ويرى جافيا وقال آخر : ولربّ مصحوب ترفت بلونه * فلفظته قبل التطعّم عاجلا المجاملة في إعراض من رام صرم حبالك يستحسن في ذلك قول الأقرع بن حابس : أصدّ صدود امرئ مجمل * إذا حال ذو الودّ عن حاله ولست بمستعتب صاحبا * إذا جعل الهجر من باله ولكنّني قاطع حبله * وذلك فعلي بأمثاله وما أن أدلّ بحقّ له * عرفت له حقّ إدلاله وإنّي على كلّ حال له * من إدبار ودّ وإقباله لراض لأحسن ما بيننا * بحفظ الإخاء وإجلاله فصل إيثار الوحدة والحثّ عليه قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : أحبّ العباد إلى اللّه الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإذا شهدوا لم يقربوا ، أولئك أمة الهدى ومصابيح الظّلم . وقال مالك بن دينار لراهب : عظني ، فقال : إن استطعت أن تجعل بينك وبين الناس سورا من حديد فافعل . وقيل لسقراط : ألا تشاهد الملوك ؟ فقال : وجدت الانفراد بالخلوة أجمع لدواعي السلوة . وقيل لآخر : ما تجد في الخلوة ؟ قال : الراحة من مداراة الناس والسلامة من شرّهم : وقالوا لقاء الناس أنس وراحة * ولو كنت أرضي الناس ما عشت خاليا